حان الوقت لإعادة تفكير نمط الدوام
تبدو الحياة أصعب من أي وقت مضى. الجميع يعمل، لكن الجميع يتحمل أيضاً مسؤوليات أخرى كثيرة. الأمهات يوازنّ الدوام ومسؤولية تربية الأبناء التي لا تزال في عاتقهن. كثير من الأبناء البالغون يتولون رعاية والديهم أو آشقائهم الأصغر. حتى كادر الشباب الذين يقدم عمل خيري يحتاج إلى وظيفة ثابتة تمكنه من تحمل تكلفة الحياة الصاعدة. كل هذه الأمثلة مضاعفة في المجتمعات الشرقية التي تبنّت نموذج القطاع التجاري العالمي، و السعودية من أوضح الأمثلة على ذلك. اتسعت حياتنا و ازدادت تعقيدا، لكن ترتيبات العمل لم تتغير، و منظورنا للدوام ظل عالقا في الماضي و تأثر فقط بنمط القطاع الخاص الغربي الذي زاد ساعات العمل: ٥-٨، ٥ أيام في الأسبوع.
لماذا لا يوجد عمل بدوام جزئي في السعودية؟
النموذج السائد في بلادنا هو الدوام الكامل أو لا شيء، و حين تُتاح المرونة بشكل اسمي، فهي لا تُشجّع، أو تُراقَب عن كثب، أو تُعدّ دليلاً على ضعف الالتزام. هذا إخفاق واضح في الخيال المؤسسي لقوى عاملة تتعامل مع متطلبات الحياة الحديثة. بخلاف الساعات المرنة، توجد نماذج مثيرة لتلبية متطلبات العمل مع مراعاة احتياجات الأفراد المختلفة. سأذكر اليوم منها مثالين: الدوام الجزئي و تقاسم الوظيفة. و لكن لا يمكننا أن نطرح هذه النماذج بشكل واقعي دون توضيح حجم العمل للوظيفة.
مشكلة حجم العمل في الوظائف التي تعمد على العمل الذهني
الآن سأركز على الوظائف التي تعتمد على التفكير و العمل بالذهن مثل المحاماة أو الإدارة أو البحث أو التصميم و غيرها. و هذه الوظائف تشكل الكثير من الأعمال المكتبية.
التمعين في ساعات العمل و تنظيمه في الوظائف ذات العمل الذهني يبرز مشكلة أخرى: أعباء العمل غير الواقعية. كثير من المؤسسات تتعامل مع المهام الوظيفية كأنها قائمة بكل ما ينبغي إنجازه، مع اسم موظف(ة) في أعلاها. تتراكم المهام، وتتشابك الأولويات، و تحرق الموظفون مسؤوليات مستحيلة في طاقة بشرية. هذا ليس طموحاً، بل هو ضعف في الإدارة.
هذا الأثر يتفاقم في حالة وجود قطاعات أو وظائف جديدة، مهامها لم يحدد بعد، و نجد من هذا الكثير في عالم الابتكار و الأكثر في نهضة السعودية الحالية. المشكلة أننا لا نقر بعدم وضوح المهام و لا نحفّز عملية التوضيح، بل نعمل إلى “أقصى جهدنا” الذي يسعه اليوم الوظيفي. الحد الوحيد هو ساعات العمل و حتى تلك كثيرا ما نتعداها دون تعويض. وبهذا نأتي إلى مشكلة يوم العمل ذو الثمان ساعات.
ساعات العمل والإنتاجية
المشكلة في يوم العمل ذو الثمان ساعات أنه يوهم الناس بضرورة الإنتاج الفعلي طوال ثماني ساعات يومياً، وهو أمر شبه مستحيل بيولوجياً. تشير الأبحاث أن لدينا حد يومي لا يتجاوز أربع ساعات من العمل الذهني المركّز. وتتفاوت طريقة توزيع هذه الساعات من شخص لآخر. يوم العمل الثماني ساعات يفيد حين يُعامَل كإطار زمني يسمح للفرد بأن يجد روتينه الأمثل، ويفشل حين يُعامَل كحد أدنى لساعات الإنتاجية العالية.
النهج الأكثر صدقاً في التعامل مع أعباء العمل يبدأ بسؤال: ما الذي يتطلبه هذا الدور فعلاً؟ ثم قياس ذلك بالقدرات البشرية الواقعية والموارد المتاحة. أعتقد أنه لو فعلت المؤسسات ذلك، لاكتشفت أن كثير من الوظائف قد تستفيد من المرونة أو العمل بدوام جزئي. بينما أرجح أنها لو تمعنت في موظفيها الأكثر إنتاجية لوجدت أنهم يقومون حقيقةً بما يعادل عمل شخصين أو ثلاثة.
المرونة تنجح، والأدلة واضحة
أثبتت حقبة كورونا أن العمل عن بعد دون مراقبة أو إلتزام بساعات عمل المكتب لا يقلل من الأداء أو الإنتاجية، بل وجدنا إن إنتاجية كثر من الموظفين ازدادت. و هذه النتيجة عززتها تجارب أسبوع العمل بأربعة أيام التي أقيمت في آيسلندا وبريطانيا واليابان والبرتغال: ساعات أقل، إنتاجية مماثلة أو أعلى، عافية أفضل بكثير، إجازات مرضية أقل، واحتفاظ أعلى بالموظفين. الأدلة أصبحت واضحة.
هذا مهم بشكل خاص للأدوار التي تتطلب تفكيراً، بخلاف الوظائف التي تتطلب حضور أو عمل يدوي. المحامية، المحلل، الباحثة، الاستراتيجي، المصممة: لا أحد من هؤلاء ينتج عملاً أفضل بمجرد حضور أطول في المكتب. أن نمنحهم مرونة لتشكيل ساعات عملهم حول طاقتهم وتركيزهم ليس كرماً، بل هو في مصلحة المؤسسة. بالإضافة إلى ذلك، إن لبينا احتياجات موظفين كفوئين لدوام جزئي قد يفيد المؤسسة أكثر من تعيين موظف أقل كفاءة يداوم بشكل كامل. إن كانت مهام الوظيفة تتطلب دوام كامل و لكن الموظف الكفوء بحاجة لدوام ذو أربعة أيام في الأسبوع، فقد يكون من الأجدى الاستغناء عن إحدى المهام أو تعيينها لشخص آخر والإبقاء على الموظف. الاحتفاظ بأفضل الموظفين كفاءة يرجع عوائد عالية على المؤسسة على المدى البعيد.
للأدوار التي فعلا تتطلب دواماً كاملاً: هل من الممكن تقاسم الوظيفة؟
للأدوار التي تستلزم فعلاً خمسة دوام كامل، أو التي تتضمن مهاماً ضرورية تتجاوز الدوام الكامل الاعتيادي، ثمة نموذج آخر قد يفيد الكثير من الأدوار: شخصان أو أكثر يتقاسمون دوراً واحداً، سواءا كان ذلك عبر تقاسم ساعات العمل أو مهام محددة المدى. هذا النموذج يُطبَّق بنجاح في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والحكومة والقطاع الخاص في أوروبا وخارجها. الفرق بين تقاسم الوظيفة و تكوين توظيف أفراد في فريق هو أن تقاسم الوظيفة يعني أن هناك شخصين أو أكثر بنفس الكفائة يلمون بمهام الوظيفة و يؤدونها على أوقات محددة. في الوظائف المكتبية، نجد هذا التقاسم في الدعم التقني أو في الأعمال السكرتارية: الشخص الموادم هو الذي يجاوب الطلبات. و لكن لا ينبغي لكل من هؤلاء أن يكونون موظفون بشكل دائم، فقد يغطي أحدهم يومين و الآخر يومين و ما إلي ذلك. لكن ماذا عن تقاسم الوظائف الإدارية؟ و ماذا لو نظرنا لتقاسم الوظيفة بشكل مختلف: بدلا من تقاسم الوقت، وضع شخصين في وظيفة فتجمع عقلين أمام تحدٍّ واحد و تستفيد المؤسسة من وجهتي نظر تعمل بشكل متوائم و تزيد من جودة القرارات و الإدارة. هذا ليس نموذج سائد و لكني رأيته في حالتين ناجحتين في الغرب، و أعتقد أنه فد يفيدنا في السعودية بالأخص.
فرصة ذهبية للمؤسسات السعودية
في كثير من المؤسسات، تشغل الكفاءات الأجنبية الأدوار القيادية والإدارية العليا، إذ تُستقطَب تحديداً لخبرات لا تتوفر محلياً بعد. المشكلة إننا لا نستفيد من وجود هذه الخبرات الأجنبية لتنمية كفاءة السعودين، و المشكلة الأكبر أن قليلا ما يطبق نظام تسليم يحافظ على استمرارية العمل فمع مغادرة المدير الأجنبي نجد فوضى لم يدرب الفريق للتعامل معها. تقاسم الوظيفة بنظير(ة) سعودي(ة) يقدم حل لهذا:
ماذا لو وضعنا لكل إداري أو قائد أجنبي قرين(ة) من البلد، كلاهما مسؤولون بالمهام من اليوم الأول، حيث يفيد الأجنبي بالخبرة التقنية الذي يأتي بها و يفيد السعودي بكيفية تطبيقها في السعودية. بذلك ينتقل العلم لا عبر تقرير أو عرض قصير في نهاية المطاف، بل من خلال الممارسة اليومية المشتركة. هذا يمكن أن يكون شكلاً من أشكال السعوَدة الحقيقية؛ ليس استبدالاً، بل تطويراً مقصوداً ومنظّماً، داخل البلاد وعلى أرض الواقع. تستفيد المؤسسة في آنٍ واحد من الخبرة الدولية التقنية والمعرفة المحلية المناسبة ثقافياً، ويستفيد الطرفان من شراكة حقيقية بدلاً من الاستمرار في نماذج تعزل الكفاءات الأجنبية في فقاعة منفصلة.
غاية العمل تحسين حياتنا
في نهاية المطاف، العمل موجود لخدمة الإنسان، لا العكس. حتى حين يكون الهدف تجارياً، فإن الأرباح وسيلة لحياة أفضل، وليست غاية في حد ذاتها. حين نُرهق الناس سعياً وراء ربح المؤسسة نكون قد أخفقنا قبل أن نبدأ.
هذا يطرح سؤال أعمق حول غاياتنا و ما هي الأمور التي نعطيها قيمة، لكن ذلك حديث ليوم آخر.
المصادر:
Sigurðardóttir, G. & Haraldsson, J. (2021). Going Public: Iceland’s Journey to a Shorter Working Week. Autonomy & ALDA. https://autonomy.work/wp-content/uploads/2021/06/ICELAND_4DW.pdf
Four Day Week Global / University of Cambridge, Oxford & Boston College (2023). The Results Are In: The UK’s Four-Day Week Pilot. https://www.4dayweek.com/uk-pilot-results
Microsoft Japan (2019). Work-Life Choice Challenge: Summer 2019. https://www.theguardian.com/technology/2019/nov/04/microsoft-japan-four-day-work-week-productivity
Bloom, N. (2022). How Working from Home Works Out. Stanford Institute for Economic Policy Research (SIEPR). https://siepr.stanford.edu/publications/policy-brief/how-working-home-works-out
McKinsey Global Institute (2021). The Future of Work After COVID-19. https://www.mckinsey.com/featured-insights/future-of-work/the-future-of-work-after-covid-19
Deci, E.L. & Ryan, R.M. (1985). Intrinsic Motivation and Self-Determination in Human Behavior. Plenum Press. — foundational framework on how surveillance and control undermine intrinsic motivation. https://link.springer.com/book/10.1007/978-1-4899-2271-7
Stanton, J.M. (2000). Reactions to Employee Performance Monitoring: Framework, Review, and Research Directions. Human Performance, 13(1), 85–113. https://www.researchgate.net/publication/247502428_Reactions_to_Employee_Performance_Monitoring_Framework_Review_and_Research_Directions
Ball, K. (2010). Workplace Surveillance: An Overview. Labor History, 51(1), 87–106. https://research-portal.st-andrews.ac.uk/en/publications/workplace-surveillance-an-overview/
CIPD — Chartered Institute of Personnel and Development. Flexible Working: Lessons from the Pandemic (2021) and annual Good Work Index reports. https://www.cipd.org/en/knowledge/reports/flexible-working-lessons-pandemic/
Timewise Foundation. The Timewise Flexible Jobs Index (annual) and job share case studies. timewise.co.uk
Ericsson, K.A., Krampe, R.T. & Tesch-Römer, C. (1993). The Role of Deliberate Practice in the Acquisition of Expert Performance. Psychological Review, 100(3), 363–406. This is the landmark study on expert violinists that established the four-hour limit on high-quality focused work. It is one of the most cited papers in cognitive psychology. https://psycnet.apa.org/record/1993-40718-001
